النافذة الثانية:
ذاكرتي فوق صندوق الجاروشة
ذات صباح، بينما كنت متّجهة إلى الحقل برفقة أبي، مررنا على ساحة قديمة نطلق عليها اسم "المندرة". ما إن وقعت عيناي عليها، حتى اجتاحني الحنين كالسيل، وشعرت أن طفولتي بأكملها خرجت من بين طيات الذاكرة لتلوّح لي من بعيد. هناك، بين تلك الزوايا الترابية، عشنا لحظات لا تُنسى... كنا، نحن الصغار، نلتقي بشغف لمشاهدة درس القمح والشعير بالـ"جاروشة"، وهي صندوق خشبيّ يُجرّ بجمل أو حصان في حركة دائرية هادئة تُثير الغبار والدهشة معًا.
وكان صاحب الجاروشة، رجلاً طيّب القلب، يسمح لنا بركوب الصندوق مقابل "أجرة" بسيطة: بيضة دجاجة واحدة. يا له من زمن! كنا نتسابق، نركض بكل ما فينا من لهفة لنكون أول من يصل ويمنح البيضة، وأول من يحظى بمتعة الركوب. تتعالى ضحكاتنا، تملأ المكان فرحًا، فتشاركنا النساء بالمساعدة، ينحين التبن جانبًا، ويفصلن الحبوب بحنّية الأمهات، بينما يقف الرجال لاحقًا ليتولّوا مهمّة التذرية، يراقبون الريح ويستغلّون مسارها في نثر التبن بعيدًا عن حبّات القمح النقيّة.
كان كل شيء بسيطًا... لكنه عالق في القلب كأنّه كنز لا يُقدّر بثمن.
وقفت هناك، أمام "المندرة"، صامتة. وكأن الأرض همست لي بأصوات الطفولة، بأصداء الضحكات التي ما تزال عالقة في الهواء، رغم مرور السنين. شعرت أن الزمن توقّف للحظة، فقط لأتذكّر، لأبتسم، ولأتنفّس من جديد عبق تلك الأيام النقيّة. أدركت حينها أن أجمل الذكريات لا تسكن الصور، بل تتربّع في تفاصيل صغيرة، كبيضة دجاجة ومقعد خشبيّ وريحٍ تهبّ على قمحٍ ينتظر يد الحصاد.
عدت إلى طريقي مع أبي، وقلبي أكثر امتلاءً مما كان عليه... فقد زُرعت في ذاكرتي لحظة جديدة، تنمو بجانب جذور الذكريات القديمة، وتحيا معها في سلام.
الكتابة: أحلام ع.

تعليقك يهمنا