بين الكرامة والبقاء – حديث مع يسري الغول
حاورته: ميلينا ديليفا
مايو – يوليو 2025
(المقابلة مترجمة عن مقابلة بالانجليزية لمجلة بلغارية اسمها مرجيلينيا أظن).
بعد قراءتي لمذكرات "الصراصير" لسخولاستيك موكاسونغا عن الإبادة الجماعية في رواندا، أدركت أن الإرهاب يمكن أن يتحول إلى كاتب يتلبّس الضحية مثل حمم تثور على صفحات الكتابة. ربما لم يكن بريمّو ليفي ليصبح كاتبًا لولا أنه نجا من أوشفيتز.
ما يميز يسري الغول عن موكاسونغا (العاملة الاجتماعية) وعن ليفي (الكيميائي) هو أنه كاتب فلسطيني راسخ قبل حرب الإبادة في غزة. لكن، وخلال صداقتنا القصيرة عن بُعد، لاحظت كيف تتغير لغته تحت ضغط الواقع، كيف يُقمع صوته في الرسائل الصوتية من ضيق الوقت، وكيف تنهار الجدران من حوله، ويخفت صدى البيت شبه المدمر، ويعلو بدلاً منه طنين طائرات الاستطلاع الاسرائيلية.
أصبحت أتساءل: في أي جنس أدبي يكتب الإرهاب الحربي بأقوى صوته؟
تعرفت على يسري الغول أولاً عبر الشاعرة تسفيتا صوفرونييفا، ثم من خلال كريستوفر ميريل، مدير البرنامج الدولي للكتابة بجامعة آيوا بالولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ 4 مايو 2025 بدأت أستيقظ على رسائله الصوتية عبر الواتساب. أحيانًا أجد آثارًا لرسائل محذوفة. هل حذف لحظة ضعف؟ أتصور أنه كان في صوته مسحة بكاء أو ذعر. في الصوت الذي يصلني، دائمًا هناك دفء وابتهاج، حتى لو كان مشبعًا بالقلق أو اليأس.
أحيانًا يرسل رسائل مكتوبة، لكن معظمها صوتية، كأنها بُعثت سرًا في وقت مسروق.
في البداية، كانت رسائل شعرية. لكنها تحولت شيئًا فشيئًا إلى وقائع دامية: ابنة خالته المقتولة مع ابنتها صفاء وحفيدها يزن، وقد اضطر ابنه إلى نقل جثامينهم، أو القصة الأحدث عن ابن أخته عدي، الذي أرسلته أمه ليشتري ملعقة سكر، فقتلته شظية من صاروخ إسرائيلي أيضًا.
أخته سمية روت له حلمًا رآه عدي، بأن صديقه حمزة الذي استشهد قبل عام يناديه ليأتي إليه.
طويلاً تساءلت: هل يحق لي الاحتفاظ بقصص يسري؟ هل ينتظر أن أنشرها؟ أم أن نشرها وسط هذا الطوفان من المآسي يفقدها قيمتها؟
أشكر مجلة "مارجيناليا" لمنحي الفرصة لنشر هذا الحوار القصير مع يسري، إلى جانب قصيدتين بصوته أرسلها عبر واتساب، وترجمتهما تسفيتا صوفرونييفا، بالإضافة إلى صورة وفيديو يظهران الفقد المريع في وزنه خلال بضعة أشهر.
عن الحياة اليومية:
كيف تتدبرون أمور الحياة كعائلة كبيرة؟ ما وضعكم من حيث الغذاء والماء والكهرباء والإنترنت والخدمات الطبية؟
نحن ستة: زوجتي وأبنائي الأربعة وأنا. "البقاء" هي الكلمة الأدق. لم نعد نعيش، بل ننجو فقط. الطعام نادر وغالٍ وغالبًا غير صالح للأكل. المياه النظيفة ذكرى حميمة. نعتمد على المياه المالحة. لا كهرباء، بل بعض ألواح الطاقة الشمسية الضعيفة بمساعدة الجيران. الإنترنت عبر شرائح SIM إن استطعنا شحن الهاتف.
أما الطب، فالمستشفيات مدمرة، الأطباء مرهقون أو مستهدفون. إذا مرض أحدنا، فنحن نصلي فقط.
هل وقفتَ أو أحد معارفك في طوابير مساعدات “المؤسسة الإنسانية الأمريكية لغزة”؟
نعم، كثير من أصدقائي وجيراني انتظروا ساعات طويلة من أجل الطعام من أي مصدر. ما تُسمى "المؤسسة الإنسانية لغزة (GHF)" عبارة عن قناصة يقتلون ويطاردون الشباب. لا نعرف إن كانت موجودة فعلاً أم مجرد دعاية. المساعدات رمزية، انتقائية أو تُسرق قبل أن تصل إلى الناس.
قُتل المئات بسبب هذه المؤسسة.
أين أنت الآن؟ وكم مرة نزحت في هذه الحرب؟
نزحت أكثر من سبع مرات منذ بدء هذه الإبادة. فقدت منزلي في غزة المدينة، وانتقلت من ملجأ إلى آخر. حاليًا أنا في شمال غزة، فيما تبقى منها.
نعيش في ظروف مكتظة وخطيرة، ننام بآذان مفتوحة نرصد الطائرات دون طيار.
هل لديك أبناء في سن التعليم؟ ماذا عن تدمير النظام التعليمي؟
أطفالي أعمارهم 19، 17، 15، و13 عامًا، لكل منهم حلم يبدو الآن نجمًا بعيدًا. أنس أراد أن يصبح مهندسًا. مجد حلمت بأن تصبح طبيبة. أسامة يعشق الحاسوب. رؤوف فنان.
لكن المدارس أصبحت أنقاضًا. المعلمون شهداء. المكتبات رماد. التعليم مستمر همسًا، على ضوء شمعة إن وُجدت، أو عبر الحكي. يسألونني عن الفيزياء أو الأدب، وأجيبهم بقلب مكسور. لم نخسر البنية التحتية فقط، بل الذاكرة والاستمرارية والإمكانيات.
كيف حال زوجتك وأولادك نفسيًا وجسديًا؟
هزلوا، أنهكوا، شحبوا. كأننا شخنا عشرة أعوام في عشرة أشهر. زوجتي تحاول أن تبتسم، لكن عيناها تفضحان الانهيار. الأطفال نادرًا ما يضحكون. يرسمون دبابات ودمًا، لا زهورًا. الكوابيس لا تتوقف. كل صوت عالٍ يربكنا. ما تسمونه صدمة نفسية هو واقعنا اليومي.
عن الإبداع والمجتمع:
كيف تغيرت كتابتك خلال الحرب؟ ما الجنس الأدبي الأنسب للتعبير عن رعب يوميات الإبادة؟
الكتابة أصبحت مقاومة. أكتب على قصاصات، على هاتفي حين يُشحن، أو في ذهني حين لا أستطيع الكتابة. لهجتي تغيرت: رمزية أقل، ومشاعر أكثر. الرواية أصبحت عاجزة. حتى النثر الذي كان يواسيني أصبح يرتجف من الغضب. أكتب شهادات أكثر من أدب. أُسميه "شهادات" أو "يوميات".
أنتقل من السرد إلى المقال والذاكرة. الوثائقية هي الأكثر صدقًا. أن أكتب رواية رفاهية، أما أن أروي الحقيقة فواجب مقدس.
في نص لك في "World Literature Today"، قلت: "الكتابة عمل جنوني، وأهله يعيشون في عوالم خيالية". كيف تبدو تلك العوالم الآن؟
في عالمي الخيالي كانت هناك مكتبات، محاضرات، سلام، كتب. الآن الخيال هو: رغيف خبز طازج، حمام ساخن، سماء هادئة، وصوت أولادي يتشاجرون على الواجب المدرسي.
خيالي تقلص حتى أصبح بحجم حياة كريمة.
هل لا يزال اتحاد الكُتّاب الذي تنتمي إليه فاعلًا؟ وهل تتواصل مع كتّاب آخرين؟
الاتحاد رسميًا مشلول. لكن غير رسميًا، نتبادل المسودات والأخبار واليأس. كثير من الكُتّاب استشهدوا، مثل نور حجاج وهبة أبو ندى. كثير من الشباب يشاركون في مبادراتي. صوت غزة الأدبي مخنوق، لكننا نُبقيه حيًا حتى تحت الركام.
هل تلجأ لكُتّاب معينين، أحياء أو أموات، للتعزية؟
أعود إلى محمود درويش، غسان كنفاني، جوزيه ساراماغو، ناجي العلي. أقرأ فولتير أحيانًا. وأفكر في كافكا وعبثية البيروقراطية.
وأعود إلى القرآن لأجد القوة.
عن المستقبل:
هل تلقيت عرضًا لمغادرة غزة؟ وهل تفكر في الرحيل؟
تلميحات غير مباشرة للسفر إلى فرنسا دون عودة. لم أتلقَّ عرضًا شخصيًا. ولم أقبل شيئًا. الرحيل ليس خيارًا سهلًا. يعني ترك شعبي، قبور أجدادي، وطن أطفالي. لكن أريد إنقاذ أولادي. ممزق بين الكرامة والبقاء.
ما تصورك السياسي للمستقبل؟ وهل ترى لحماس دورًا فيه؟
أحلم بفلسطين ديمقراطية مدنية، حيث يعيش الجميع بكرامة وحقوق، يهود، مسلمون، مسيحيون.
أما حماس والفصائل المسلحة فهي واقع، لكنها لا تمثل كل الأصوات. نضالهم مقاومة، نعم، لكن أيضًا قمع وأخطاء وتجاهل لمعاناة المدنيين.
نحتاج قيادة جديدة قائمة على العدالة والشفافية والرحمة.
ما رأيك في مقال آلاء رضوان "تمجيد حماس ليس تضامنًا بل ضررًا"؟
الضرر الحقيقي ليس في الحديث عن حماس أو غيرها، بل في تجاهل جذور مأساة غزة. حماس جاءت كرد فعل على الاحتلال الطويل، الإذلال، الاعتقالات، الفراغ السياسي، فشل المفاوضات، واستمرار الاستعمار.
الحديث عن حماس دون مواجهة الاحتلال المستمر ظلم.
قبل أن نُدين طريقة مقاومة الفلسطينيين، علينا أن نسأل: ما الذي خلق هذا الواقع؟ من حاصر غزة 18 عامًا؟ من قتل أولادنا في الضفة قبل 7 أكتوبر؟ من يسيطر على حدودنا وسماءنا ومياهنا ودوائنا؟
نحن لا نحتاج تمجيدًا لأحد، بل من يقف مع الحقيقة: نظام الأبارتهايد الإسرائيلي هو من صنع هذه المعاناة. التضامن الحقيقي يبدأ بإنهاء الحصار. بإنهاء الاحتلال.
هل تصدق ما قاله غيرشون باسكين بأن حماس مستعدة للتخلي عن حكم غزة؟
أي حديث عن مستقبل غزة، عبر حماس أو غيرها، يجب أن يبدأ بالحرية. لا يمكننا الحديث عن "الحكم" بينما نعيش تحت حصار وقصف دائم. غزة ليست حرة، بل سجن. السؤال ليس إن كانت حماس ستبقى أو تغادر، بل: هل لنا حق تقرير المصير، والعيش بكرامة، دون احتلال؟
لا أثق بأي اتفاقات تستثني الشعب الفلسطيني. لا أحد يقرر مصيرنا ونحن جوعى ومهجّرين.
كنت قد قرأت عن احتجاجات ضد حماس قبل 7 أكتوبر. كيف تغيرت الأمور بعدها؟
قبل 7 أكتوبر، كانت هناك انتقادات لحماس، وهذا طبيعي في أي حكم. الناس سئمت القيود، قلة الفرص، الجمود السياسي. لكن كل ذلك كان في ظل حصار إسرائيلي مدعوم دوليًا حول غزة إلى سجن مفتوح.
الآن، في ظل الإبادة، السياسة أصبحت ثانوية. حين تدفن ابنك، لا تفكر في الأحزاب بل في البقاء.
ومع ذلك، الرغبة بوجود قيادة عادلة وموحدة باقٍ، لكنه لا ينفصل عن النضال من أجل التحرر.
ملاحظة ختامية من الكاتب الذي لم يترك شمال غزة طوال فترة الحرب، يسري الغول:
إلقاء اللوم فقط على حماس هو تشتيت خطير. على العالم أن يرى السبب الحقيقي: الاحتلال، الأبارتهايد، والعدوان العسكري الإسرائيلي. الفلسطينيون، ككل شعب، لهم الحق في المقاومة.
السؤال ليس كيف نقاوم، بل لماذا نحن مضطرون للمقاومة؟
إن كنتم حقًا تهتمون بالسلام، فابدؤوا بإنهاء الحصار. بإنهاء الاحتلال. من هناك يبدأ أي حديث صادق.
عن يسري الغول:
روائي وقاص وكاتب مقالات بارز من الأراضي الفلسطينية. نشر ثلاث روايات وست مجموعات قصصية. فاز بجائزة وزارة الثقافة للقصة القصيرة عام 2002. عضو في اتحاد الكتاب الفلسطينيين، وعضو في لجنة YMCA غزة، وناشط في عدة مؤسسات مدنية.
له نصوص بالإنجليزية منشورة في World Literature Today، وStinging Fly، وبرنامج الكتابة الدولي بجامعة آيوا (IWP).





تعليقك يهمنا