كنا نأكل البركة .... واليوم نأكل الذكرى
في زمن ما، ما بين فقر الحياة وغناها، عشتُ طفولتي في حضن العائلة… وسط دار طين، وسقف من القشّ، وقلوب عامرة بالحبّ.
كانت جدّتي عماد البيت… امرأة بسيطة، لكنّها تحمل في يديها حكمة السنين وكرم الأرض. كانت تنهض باكرًا، تشعل فرن الطين بحطب جمعتْه من حوافّ الحقول، وتخبز خبز الشعير قطعةً قطعة… كان رائحته تسبق طلوع الشمس، وتُبشّر بيوم جديد.
بعد أن تُنهي الخبز، تُشعل ما بقي من الجمر، وتضع فوقه الفلفل والطماطم والبصل، وتشويهم ببطء. ثم تجلس على الأرض، وتبدأ في هرسهم بمهراس نحاسي ثقيل… كلّ ضربة تحمل نكهة، وكلّ حركة تنبع من ذاكرة الأمهات.
تسكب فوق المزيج زيت الزيتون، وتفرش حسيرة من سعف تحت ظلّ شجرة توت عجوز، وتدعونا للجلوس. لم تكن هناك مائدة، ولا كراسي… لكن كان هناك دفء، وبركة، وقلب كبير يتّسع للجميع.
مائدتها… كانت مائدة الأنبياء. كلّ شيء فيها طبيعي، بيولوجي، لا مواد حافظة ولا نكهات مصنّعة. كانت تصنع الزبدة واللبن بنفسها، تحلب النعجة وتضع الحليب في قِربة، ثم تهزّها لساعات حتى تُخرج الزبدة... لبنها منعش، وزبدتها فيها طعم الشمس والتراب.
وفي موسم التين الشوكي، تجمع الثمار بحذر، تقشّرها وتطهِيها على نار هادئة… وتُحضّر "الربّ" — معجون التين الشوكي، حلوٌ وثقيل، يُوضع في آنية فخار ويُؤكل ملعقةً ملعقة.
كنّا نأكل القليل… لكن نُشبَع. كنّا فقراء… لكن في داخلنا غنى لا يُقاس.
ثم رحلت جدّتي، وبعدها الجد… ومنذ رحيلهم، أصبح البيت خاليًا، والفرن باردًا، والحسيرة مطويّة في زاوية نَسِيها الزمان.
اليوم نأكل كثيرًا… ولا نشبع. نطهو بسرعة… لكن نُحسّ بالفراغ. الموائد امتلأت… لكن البركة اختفت.
أشتاق لتلك الأيّام… لا لأنّها كانت سهلة، بل لأنّها كانت صادقة. فيها طعم التراب، ونكهة الشمس، وريحة الجدة… فيها معنى الحياة، قبل أن يُصبح كلّ شيء مستهلكًا… حتى المشاعر.

تعليقك يهمنا