من خلال الإحصائيات المعروضة من طرف وزارة التربية التونسية والتي أعدها الاستاذ: طارق بن الحاج حسين في الصورة الأولى تؤكد بالفعل أن هناك "مصفاة" حقيقية تسير بالمتعلمين من المرحلة الابتدائية حيث لا يتوجه إلى الإعداديات النموذجية سوى 2.5% فقط من مجموع التلاميذ المسجلين في السنوات السادسة 10,7% من المترشحين الحاضرين . أما المتحصلون على معدل يساوي أو يفوق عشرة من عشرين بلغت نسبتهم 8,29 % من مجموع التلاميذ المسجلين في السنوات السادسة 35,66%. وقد مثلت هذه النسب جدلا واسعا حول فشل المنظومة التعليمية التونسية الموروثة من ثلاثة عقود أو يزيد، وأمام حيرة الأولياء وصدمتهم رغم ما بذلوا من جهود لالحاق منظوريهم بالمدارس الإعدادية النموذجية إلا أن أغلبهم تفاجأ بضعف مردودية بعض الأطفال في المناظرة وهو ما يطرح السؤال التالي: من يتحمل مسؤولية ضعف النتائج؟؟ وهل النتائج فعلا ضعيفة أم هو سؤال يخفي وراءه كومة من المشاكل والمعوقات ؟؟؟ وما هي الأطراف المتدخلة في العملية التعليمة وما مدى تأثيرها على نتائج تقييم مكتسبات المتعلمين؟؟؟ ومن خلال متابعتنا لصفحات بعض المسؤولين من أمثال: طارق بن الحاج حسين و RIADH MADHI و و Segni Abderrazek و Noureddine Saadaoui وغيرهم من المتدخلين ويجتمع هؤلاء في أغلبهم على المدرس هو المسؤول على تدني النتائج باعتبار يعتمد التعليم بالتلقين عوضا على التحليل والتفكير ...
إن إلقاء اللوم بالكامل على المدرس وتبرئة بقية أطراف المنظومة (خاصة جهاز الإشراف البيداغوجي والإداري من متفقدين ومساعدين بيداغوجيين ومديري مدارس) هو قراءة قاصرة ومجحفة. فالعملية التعليمية هي شبكة مترابطة؛ والمدرس يعمل في إطار هندسة بيداغوجية، زمنية، وتقييمية يتم إقرارها ومراقبتها بشكل "فوقي" لصيق وغير مسموح له بالاجتهاد خاصة فيما يخص النسق البيداغوجي للدرس من الشكل والتقسيم الزمني واشراك كل تلاميذ الفصل بمن فيهم المدمجين.
بناءً على معطيات مرتبطة بالمواضيع المطروحة على المترشحين وطريقة صياغة التعليمة ، ومنها سؤال المغناطيس في الإيقاظ العلمي، ومسألة الهندسة وحساب المساحات في الرياضيات والمرادفات وأضدادها في اللغات الثلاث، نقدم لكم "شبكة معايير علمية لتحديد معوقات وأسباب تراجع نتائج المتعلمين في المناظرة".
شبكة معايير تحديد معوقات وأسباب تراجع نتائج مناظرة "السيزيام" مقسمة إلى معايير مباشرة (مرتبطة بالامتحان والمتعلم) ومعايير غير مباشرة (مرتبطة بالبنية الهيكلية والإشراف البيداغوجي) لتكون أداة تشخيصية موضوعية:
1. المعايير المباشرة (المرتبطة بالاختبارات والتحصيل المباشر)
* معيار وضوح وصياغة التعليمات (الجانب السيميائي واللغوي):
* المؤشر: مدى قابلية السؤال للتأويل المزدوج أو التشتيت الذهني.
* مثال عيني (الإيقاظ العلمي): في النشاط الثاني (تجزئة المغناطيس)، صياغة "حدد الأقطاب بوضع العلامة (x)" تضع التلميذ في حيرة بيداغوجية: هل يضع علامتين على الطرفين الجديدين لإثبات تولد قطبين جديدين (شمالي وجنوبي في كل قطعة) أم يضع 4 علامات لتحديد كافة الأقطاب الناتجة؟ أم يكتب على كل مغنط جديد قطباه ش/ج ش/ج ؟؟ هذا الغموض يحوّل الاختبار من قياس للمعلومة العلمية إلى "فخ" لغوي وإجرائي. وفي مجال اللغات يطالب المترشج تفسير حسب السياق لمفردة من النص بينما لا يجد مرادفات لها بلفظة واحدة وهذا ما يجينا لاعتماد الحفظ الآلي..
* معيار التوازن بين الحفظ الآلي (الموارد) والقدرة على التحليل (المنهجية):
* المؤشر: اشتراط معرفة واستحضار قواعد مركبة كشرط أساسي مسبق لبدء التفكير والحل.
* مثال عيني (الرياضيات): المسألة الثالثة في الهندسة تتطلب إثبات مساحات وحساب محيطات أشكال مركبة (معين، مثلثات طائرة). التلميذ الذي يمتلك قدرة هائلة على التحليل والمنطق، ولكنه تعثر في تذكر قاعدة حساب مساحة المثلث أو المعين تحت ضغط الامتحان، يُحرم تماماً من فرصة تفكيك المسألة. هنا يتعطل "التفكير" بسبب غياب "الآلية"، وهو ما يناقض ادعاء المفسرين والخبرات المصريين بأنهم يبحثون عن "التحليل لا التلقين".
* معيار "الغربلة الإقصائية" مقابل "تقييم التحصيل المدرسي":
* المؤشر: صياغة اختبارات لا تهدف إلى قياس مدى تملك المتعلم للكفايات الأساسية للمرحلة الابتدائية، بل تهدف أساساً إلى تعجيزه لتقليص الأعداد قسراً لتتطابق مع "الطاقة الاستيعابية المحدودة جداً" للمدارس النموذجية (الـ 5317 مقعداً المتاحة فقط).
2. المعايير غير المباشرة (المرتبطة بالإشراف، الهيكلة والبيئة التعليمية)
* معيار فاعلية الإشراف والمرافقة البيداغوجية (المتفقدون والمساعدون):
* المؤشر: مدى تحمل المتفقدين والمساعدين البيداغوجيين لمسؤوليتهم في تقييم المناهج وتعديل التوزيعات السنوية بما يتلاءم مع الزمن المدرسي الفعلي، بدلاً من لعب دور "الرقيب الإداري" الذي يكتفي برفع التقارير وإلقاء اللوم على الحلقة الأضعف (المدرس).
* معيار "الزمن المدرسي" والجرعات المعرفية الحجمية:
* المؤشر: التناقض بين حجم البرامج الدراسية الأسبوعية وبين الزمن المخصص للفهم والتمثل وإنتاج المعرفة. فالمدرس يجد نفسه مجبراً على "حشو" الدروس لإنهاء البرنامج ومجاراة التوزيعات الرسمية المفروضة عليه فوقياً، مما يلغي تلقائياً مساحة تدريب التلاميذ على "التحليل والتفكير النقدي".
* معيار تكافؤ الفرص والعدالة البيداغوجية:
* مؤشر1: الفجوة بين مستوى التعليم داخل الفصل بين التلميذ ( العادي ) والتلميذ المتمتع بشهادة صعوبات التعلم وهو ما ينتج عنه تشتيتا لجهد المدرس وتنقيصا لقدرة المتعلمين ( الاسوياء ) على المحافظة على نسق تصاعدي في الإنجاز البيداغوجي للدرس بينما يتوه ذوو الهمم وأصحاب صعوبات التعلم في سراديب العلوم والمعرفة في الناحية المظلمة في أدمغتهم وأنهم يعتبرون أنفسهم في حالة إيقاف لساعات في مركز شرطة انتظارا لتعمير بطاقة إرشادات .
* المؤشر2: الفجوة بين مستوى التعليم النظامي العمومي اليومي وبين "النخبوية التعجيزية" لأسئلة المناظرة، والتي تدفع قسراً نحو المدارس الخاصة والدروس الخصوصية والكتب الموازية، مما يفرغ المدرسة العمومية من دورها كمصعد اجتماعي عادل خاصة أن المدارس الخاصة تعمل بدون رقابة على تنظيماتها البيداغوجية وحجم الساعات المخصصة للمواد موضوع الاختبار في المناظرة وأن اللغات يقع تدريسها منذ السنة الأولى ابتدائي وهو ما يعمق الفوارق بين القطاع الخاص والقطاع العمومي في التعليم وقد انجر عنه تقسيم طبقي للمدارس فأبناء الفقراء والكادحين والمهمشين بينما الأغنياء يتوجهون للمدارس الخاصة حيث لا وجود لاصحاب صعوبات التعلم ولا لذوي الهمم ولا حتى للتلاميذ المتوسطين ( وقعت حادثة قد تبدو غريبة في إحدى المدارس الخاصة بمدينة المنستير حيث اجتمع الأولياء الميسورين وطلبوا من إدارة المدرسة الترفيع في معلوم الترسيم والعهدة الشهرية حتى يسدون الباب على مواطني الطبقة الوسطى) وهذا ما جعل الوظائف العليا من مهندسين وأطباء وغير ذلك من أبناء الأغنياء ...
إن الداء الحقيقي لأزمة التعليم هو أزمة منظومة تقييمية وهيكلية كاملة وليست أزمة مدرس. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من مراجعة دور جهاز الإشراف البيداغوجي وتغيير فلسفة الامتحانات الوطنية من "مصفاة إقصائية" إلى "أداة لتجويد التعليم" والارتقاء به.
إننا لما اقترحنا مشروعنا :" شجرة الكرامة للسيادة التربوية " كنا نتوقع هكذا نتائج لأننا ندرك علميا أن النتائج هي وليدة أسباب وأننا إذا سيطرنا على معوقات البناء المعرفي والمهاري أنجزنا صرحا عظيما لا تطاله الرياح والأنواء..
خاتمة:
يقطع مشروع "شجرة الكرامة للسيادة التربوية" مع مقصلة الغربلة التعجيزية الحالية من خلال إرساء فلسفة بيداغوجية جديدة تعيد صياغة مفهوم "النجاح"؛ إذ لا يعود الامتحان وسيلة لتصفية المتعلمين وإقصائهم قسراً وفقاً لعدد المقاعد المتاحة، بل يتحول إلى أداة تشخيصية مرنة تهدف إلى غربلة وتوجيه الاهتمامات، والقدرات، ورغبات المتعلمين الفردية. وبدلاً من إخضاع الجميع لاختبارات موحدة وجافة تقتل التفكير والتحليل بفرض حفظ قواعد صلبة، يقدم المشروع نموذجاً تقييمياً مرناً يتيح للمتعلم إبراز مهاراته العملية وقدراته الذهنية عبر مسارات متعددة وخيارات تقييمية منصفة (مثل نظام الفرص المتعددة). هذا التحول الجذري يضمن ألا يُحرم أي متعلم من فرصة التميز بناءً على عائق آلي أو لغوي، مما يفرز نتائج حقيقية تعكس جودة المهارات الحياتية والتحليلية المكتسبة، ويجعل من الامتحانات -إن أجريت- جسراً لبناء النخبة المتنوعة المبدعة لا مقبرة لطموحات المتعلمين ومجهودات المدرسين.

تعليقك يهمنا