الافق التربوي

مدونة تربوية تعليمية موافقة للبرامج الرسمية للبلاد التونسية .

متجر الافق التربوي

آخر الأخبار

متجر الافق التربوي
جاري التحميل ...

تعليقك يهمنا

تاريخ التعليم في البلاد التونسية ومحاولات الاصلاح منذ ظهور مفهوم الدولة إلى اليوم

 


تاريخ التعليم في تونس قبل الاستقلال غني وممتد عبر العصور، حيث تشكلت الممارسات التربوية تدريجياً لتعكس هوية المجتمع التونسي كبوصلة ثقافية واجتماعية متميزة في شمال إفريقيا.
يمكن تقسيم تطور طريقة التعليم في تونس عبر التاريخ إلى ثلاث محطات رئيسية:

1. العهد الإسلامي والوسيط: التعليم الديني واللغوي (الكتاتيب وجامع الزيتونة)

منذ استقرار المجتمع التونسي بهويته العربية الإسلامية، دارت العملية التعليمية حول محورين أساسيين:
  • المؤدب والكتّاب (التعليم الابتدائي):
    • كان "الكتّاب" النواة الأولى للتعليم في القرى والمدن.
    • طريقة التدريس: تركزت على الحفظ والتلقين، حيث يتعلم الأطفال قراءة القرآن الكريم وكتابته على "اللوح" الخشبي باستخدام الصمغ والقصب.
    • المناهج: شملت قواعد اللغة العربية الحساب الأساسي، والأخلاق.
  • جامع الزيتونة المعمور (التعليم العالي):
    • تأسس عام 737م ليكون أحد أقدم الجامعات في العالم الإسلامي.
    • طريقة التدريس: اعتمدت على نظام "الحلقات"، حيث يجلس الطلاب حول الشيخ (المدرس) في صحن الجامع.
    • المنهجية: كانت تعتمد على شرح المتون والمخطوطات، والمناظرات الفقهية واللغوية، وشملت العلوم النقلية (الفقه، التفسير) والعلوم العقلية (المنطق، الفلك، الطب).

2. العهد العثماني والحسيني: بوادر التحديث والتعليم العسكري

في القرن التاسع عشر، ومع شعور الدولة التونسية بالحاجة إلى مواكبة التطور الأوروبي، ظهرت أولى محاولات التحديث التربوي:
  • المدرسة الحربية بباردو (1840): أسسها أحمد باي الأول لإعداد ضباط الجيش التونسي.
    • طريقة التدريس: أُدخلت لأول مرة العلوم الحديثة (الرياضيات، الهندسة، اللغات الأجنبية كالفرنسية والإيطالية) إلى جانب العلوم العسكرية، واعتمدت على مدرسين تونسيين وأجانب ونظام الفصول الحديث.
  • المدرسة الصادقية (1875): أسسها الوزير المصلح خير الدين باشا، وتمثل القفزة النوعية في تاريخ التعليم التونسي.
    • طريقة التدريس: مزجت بذكاء بين التعليم الزيتوني الأصيل (اللغة العربية والعلوم الدينية) والتعليم العصري الحديث (العلوم الدقيقة واللغات الأجنبية)، بهدف تكوين إطارات قادرة على إدارة الدولة التونسية الحديثة.

3. فترة الاستعمار الفرنسي (1881 - 1956): الصراع بين التغريب والمقاومة الثقافية

فرض الاحتلال الفرنسي واقعاً تعليمياً جديداً هدف إلى ربط تونس ثقافياً بفرنسا، مما خلق نظاماً تعليمياً مزدوجاً:
  • المدارس الفرنكو-عربية: أنشأتها سلطات الحماية الفرنسية.
    • طريقة التدريس: كانت تعتمد البرامج الفرنسية مع تخصيص ساعات قليلة للغة العربية. هدفت إلى إدماج النخبة التونسية في الإدارة الاستعمارية.
  • التعليم الزيتوني والمدارس القرآنية الحديثة: قاومت النخبة التونسية (خاصة عبر حركة الشباب التونسي والمصلحين) محاولات التغريب.
    • آلية المقاومة: طُوّرت الكتاتيب التقليدية إلى "مدارس قرآنية حديثة" أدخلت الطاولات والسبورة والمناهج العصرية لحماية الهوية العربية الإسلامية للمجتمع التونسي، وظل جامع الزيتونة وفروعه في كامل تراب الجمهورية يمثلان قلعة الدفاع عن الهوية الوطنية حتى الاستقلال.

بعد الاستقلال

تشكلت المنظومة التعليمية في تونس عبر قوانين توجيهية كبرى رسمت ملامح المدرسة التونسية، إلا أن فجوة التطبيق تركت تأثيراً سلبياً عميقاً أدى في النهاية إلى التفكير في إنشاء المجلس الأعلى للتربية الحالي.
تتلخص أهم هذه القوانين ومخرجاتها الفعلية على الواقع التونسي في ثلاث محطات رئيسية:

1. قانون 1958 (إصلاح محمود المسعدي)

  • القانون المنظم: القانون عدد 118 لسنة 1958 المنظم للتعليم. 
  • هدفه الأساسي: تَوْنسة التعليم (تحريره من التبعية الفرنسية)، تعميمه، وإقرار مجانيته وإلزاميته. 
  • الأثر الإيجابي: نجح في بناء المصعد الاجتماعي؛ حيث مكّن أبناء الطبقات الفقيرة والجهات الداخلية من التعلّم وتقلد مناصب عليا في الدولة الناشئة. 
  • الأثر السلبي الممتد: التركيز المفرط على "الكم" والتعميم السريع على حساب البنية التحتية، مما خلق نواة التفاوت الجهوي بين ولايات الساحل والعاصمة والولايات الداخلية في جودة المدارس. 

2. قانون 1991 (إصلاح محمد الشرفي)

  • القانون المنظم: القانون التوجيهي الصادر في العام الدراسي 1990-1991.
  • هدفه الأساسي: رفع سن التعليم الإلزامي إلى 16 سنة (بدلاً من 12 سنة)، وتأسيس نظام "التعليم الأساسي" الممتد لـ 9 سنوات.
  • الأثر الإيجابي: تقليص نسب الأمية في تونس بشكل قياسي ودمج الإناث بقوة في المسار التعليمي.
  • الأثر السلبي الممتد: تطبيق سياسة "الارتقاء الآلي" في بعض المراحل دون التأكد من المكتسبات الحقيقية للتلميذ، مما أدى لاحقاً إلى تدني المستوى المعرفي في المرحلة الثانوية. 

3. القانون التوجيهي لعام 2002 (المعمول به حالياً)

  • القانون المنظم: القانون التوجيهي للتربية والتعليم المدرسي عدد 80 لسنة 2002. 
  • هدفه الأساسي: إدخال التكنولوجيا الحديثة (إعلامية وتواصل)، واعتماد "المقاربة بالكفايات" في المناهج بدلاً من الحفظ. 
  • الأثر والتقييم الفعلي (أبرز أسباب الأزمة الحالية):
    • فشل المقاربة بالكفايات: تم إسقاطها تكنولوجياً وفنياً دون تدريب حقيقي وتأهيل عميق للمدرسين، مما جعلها طريقة شكلية أفرغت المناهج من مضامينها المعرفية القوية.
    • تفاقم الانقطاع المدرسي: تشير تقارير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى أن هذا القانون لم يضمن "الحق النوعي" في التعليم، مما سبب انقطاع أعداد هائلة من التلاميذ سنوياً (الهدر المدرسي)، وتعميق الفوارق الطبقية.
    • شكلية التقييم: اختزل القانون تقييم جودة التعليم في معايير فنية جافة وتكنوقراطية (أرقام ونسب نجاح في البكالوريا) متغافلاً عن البناء النفسي والقيمي الحقيقي للتلميذ. 

النتيجة المباشرة على واقع اليوم

أدت تراكمات هذه القوانين إلى تراجع جاذبية المدرسة العمومية، واهتراء بنيتها التحتية، وبروز ظاهرة الدروس الخصوصية كبديل اضطراري، مع عجز منظومة التعليم العالي عن ملائمة مخرجاتها مع سوق الشغل. هذا الانسداد في أفق الإصلاحات الفردية لكل وزارة هو ما دفع الدولة إلى سن مرسوم المجلس الأعلى للتربية عام 2024 ليكون مظلة واحدة توحد كافة القوانين والمسارات. 


عن الكاتب

عادل العاشق

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

الافق التربوي